أبي منصور الماتريدي

271

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

واستغنوا عنه ، احتاجوا إلى من يعلمهم التأويل ؛ فأمر رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بأن يسند أمر التأويل إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ليكون هو الذي يتولى تعليم الخلق تأويله ؛ فذلك هو القول الثقيل ؛ إذ أمر أن يستند « 1 » إلى غيره ؛ فاشتد عليه إذ صار غيره ولي الأمر ، وبقي هو ساكنا لا ينطق . فيقال لهم : إن في الأمر بإسناد الأمر إلى من ذكر تخفيف الأمر على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بزعمكم ؛ لأن من مذهبكم : أنه إذا فوض الأمر إلى علي - رضي الله عنه - قبض هو - عليه السلام - وصورة القبض عندكم : أن يميز الصورة الروحانية النورانية من الصورة الجسدانية التي كانت محتبسة في الصورة الجسدانية ، ثم تتلف الصورة الجسدانية ، وتبعث الصورة الروحانية النورانية إلى دار الكرامة والحبور والخلاص من الحبس - لم يشتد ذلك عليه ، ولم يثقل ؛ بل كان فيه ما يرغبه إلى التفويض ، ويدعوه إليه . ومن مذهب الباطنية : أنهم لا يعلمون أحدا مذهبهم إلا بعد أن يحلفوه « 2 » بالأيمان المغلظة بألا يخبر به أحدا ؛ إشفاقا على أنفسهم ، ولو كان الأمر على ما قدروا أن التلف يرد على الصورة الجسدانية التي هي سبب لحبس « 3 » الصورة الروحانية ، وإذا تلفت ردت الروحانية إلى دار فيها كل أنواع السرور - فما الذي يحوجهم إلى الاستحلاف ، وما بالهم يشفقون على أنفسهم ، وليس في إتلاف أنفسهم إلا الخلاص من الحبس ، والوصول إلى الكرامات ، ومن هذا وصفه حق عليه الموت ؛ ليعلموا « 4 » أنهم يعاملون الخلق على خلاف ما يوجبه اعتقادهم ، ولو كان ما اعتقدوا حقا ، لما استجازوا مخالفته « 5 » ، ولكن الذي دعاهم إلى ما ذكرنا تسويل الشيطان وتزيينه في قلوبهم ، وما مثلهم إلا مثل اليهود ، الذين ادعوا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس ؛ فقيل لهم : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ البقرة : 94 ] ؛ لأنكم لا تصلون إلى الآخرة إلا بالموت ، فإن كنتم محقين في دعواكم فتمنوا [ الموت ] « 6 » لتصلوا إليها ؛ فكان في امتناعهم « 7 » عن التمني ما يظهر كذبهم ، ويبطل مقالتهم ، ويبين تمويههم ؛ فكذلك في إشفاق هؤلاء على أنفسهم من الهلاك إظهار وإنباء أنهم قصدوا به قصد التمويه على الضعفة ؛ ليصلوا إلى المأكلة

--> ( 1 ) في أ : يستدل . ( 2 ) في ب : يلحقوه . ( 3 ) في ب : يحبس . ( 4 ) في أ : ليعلم . ( 5 ) في ب : مخالفة . ( 6 ) سقط في ب . ( 7 ) في ب : الامتناع .